رئيس الوزراء الكندي مارك كارني

كارني من نيويورك: كندا الأقوى والأقل اعتمادًا على أمريكا ستكون حليفًا أفضل لواشنطن

قال رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إن ابتعاد كندا تدريجيًا عن الاعتماد الكبير على الولايات المتحدة لا يعني الابتعاد عن واشنطن كحليف، بل قد يجعل كندا شريكًا أقوى وأكثر فائدة للجانب الأمريكي. وجاءت تصريحاته خلال خطاب ألقاه في نادي الاقتصاد في نيويورك، في وقت حساس يسبق مراجعة اتفاقية التجارة بين كندا والولايات المتحدة والمكسيك.

كارني دعا إلى بناء “شراكة جديدة” بين كندا والولايات المتحدة، تقوم على التعاون في قطاعات استراتيجية مثل السيارات، الألمنيوم، الطاقة، والمعادن المهمة. وهذه القطاعات لا تخص التجارة فقط، بل تدخل في الأمن القومي، وسلاسل الإمداد، وصناعة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

تصريحات كارني جاءت وسط مرحلة متوترة في العلاقات الكندية الأمريكية، بعد فرض رسوم جمركية أمريكية على قطاعات كندية مهمة، وعودة الحديث في واشنطن عن إعادة تقييم اتفاقية USMCA، وهي الاتفاقية التجارية التي تنظم العلاقة الاقتصادية بين كندا والولايات المتحدة والمكسيك.

ما الذي يقصده كارني بتقليل الاعتماد على أمريكا؟

كارني لا يتحدث عن قطع العلاقة مع الولايات المتحدة، بل عن تقليل نقطة الضعف الأساسية في الاقتصاد الكندي: الاعتماد الكبير على سوق واحد. لذلك تعمل حكومته على توسيع علاقات كندا التجارية مع دول وأسواق أخرى، بهدف زيادة الصادرات الكندية خارج الولايات المتحدة خلال السنوات المقبلة.

الفكرة التي يحاول كارني ترسيخها هي أن كندا عندما تكون أقوى اقتصاديًا، وأكثر قدرة على تأمين غذائها وطاقتها ودفاعها، ستكون شريكًا أفضل للولايات المتحدة، لا تابعًا اقتصاديًا هشًا يتأثر بأي قرار سياسي أو جمركي يصدر من واشنطن.

لماذا تحتاج أمريكا إلى كندا؟

كارني ركز على نقطة مهمة: الولايات المتحدة نفسها تحتاج إلى كندا في ملفات حيوية. فحسب ما ذكره، توفر كندا الجزء الأكبر من واردات الولايات المتحدة من الغاز الطبيعي، ونسبة كبيرة من وارداتها من الكهرباء والنفط الخام، إضافة إلى المعادن المهمة مثل النيكل والنحاس واليورانيوم والبوتاس.

وهذا يعني أن العلاقة ليست من طرف واحد. كندا تعتمد على السوق الأمريكي، لكن الولايات المتحدة تعتمد أيضًا على الموارد الكندية لتشغيل مصانعها، وتغذية قطاع الطاقة، ودعم الأمن الغذائي، وتلبية الطلب المتزايد على الكهرباء المرتبط بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

اتفاقية USMCA تحت الضغط

تأتي هذه التصريحات قبل مراجعة مهمة لاتفاقية USMCA في يوليو. هذه الاتفاقية هي الإطار التجاري الأكبر بين كندا والولايات المتحدة والمكسيك، وأي تغيير فيها قد يؤثر على قطاعات ضخمة مثل السيارات، الزراعة، الطاقة، والمعادن.

ورغم أن الاتفاقية ساعدت كندا على تجنب بعض الآثار الأكبر للرسوم الأمريكية، فإن قطاعات مثل الألمنيوم والصلب تعرضت لضغط واضح بسبب الرسوم الجمركية. لذلك يحاول كارني أن يدخل المرحلة المقبلة برسالة مزدوجة: كندا تريد شراكة قوية مع أمريكا، لكنها لا تريد أن تبقى مكشوفة أمام قرارات أمريكية مفاجئة.

لهجة مختلفة تجاه واشنطن

بعد أشهر من التوتر السياسي والتجاري، بدا خطاب كارني في نيويورك أقل تصعيدًا. فقد تحدث عن الولايات المتحدة باعتبارها دولة قوية ومؤثرة، وأكد أن الخلافات بين البلدين ليست جديدة، لكنها غالبًا ما تنتهي بالعودة إلى المصالح المشتركة.

لكن هذه اللهجة الهادئة لا تلغي الرسالة الأساسية: كندا تريد علاقة جديدة، تقوم على الندية والمصلحة المتبادلة، لا على الاعتماد الكامل على السوق الأمريكي.

ماذا يعني ذلك للكنديين؟

بالنسبة للمواطنين والمقيمين في كندا، هذا الملف ليس سياسيًا فقط. أي تغيير في العلاقة التجارية مع الولايات المتحدة قد ينعكس على الوظائف، أسعار السلع، قطاع السيارات، الطاقة، الاستثمارات، وحتى تكلفة بعض المنتجات اليومية.

كارني يحاول تقديم رؤية تقول إن حماية الاقتصاد الكندي لا تكون بالانسحاب من العلاقة مع أمريكا، بل بجعل كندا أكثر استقلالًا وقدرة على التفاوض. وهذا هو جوهر رسالته: كندا الأقوى ستكون حليفًا أفضل، وشريكًا أصعب في الوقت نفسه.