طرحت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، فكرة إنشاء «المجلس الأوروبي للأمن» خلال خطاب أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ، واقترحت أن يضمّ شركاء من خارج الاتحاد من بينهم كندا والنرويج وأوكرانيا والمملكة المتحدة. الاقتراح يهدف إلى إيجاد آلية تكمل ترتيبات الدفاع الجماعي الحالية وتواجه التهديدات الهجينة التي لا تبلغ عتبة الهجمات المسلحة التقليدية.
على الرغم من إعلان الفكرة رسمياً، يبقى دور كندا داخل المجلس غير محدد عملياً. المسؤولون الأوروبيون قالوا إنهم سيعرضون أفكارهم لتتحول الفكرة إلى واقع، لكن لا تزال التفاصيل حول شكل المجلس وصلاحيته وآلية اتخاذ القرار والالتزامات المتوقعة من الشركاء الخارجية غائبة.
ماذا اقترحت فون دير لاين؟
خلال كلمتها، شددت فون دير لاين على أن أوروبا تواجه اليوم مخاطر وطبيعة تهديدات مختلفة؛ ومن ثم ثمة حاجة إلى آلية جديدة تكمل مهام حلف شمال الأطلسي. استشهدت بوقائع حديثة مثل هجوم بطائرة من دون طيار استهدف مطار لايبزيغ الشهر الماضي، والذي حمّلته ألمانيا مسؤولية هذا الحادث على روسيا، إضافة إلى أعمال أخرى انتهاكاً للحدود وأعمال تخريبية مثل قطع كابلات بحرية وإرسال طائرات مسيّرة عبر الحدود.
اقترحت فون دير لاين أن يشارك في هذا المجلس قادة من دول خارج الاتحاد لضمان مناقشة أوسع لقضايا الأمن القاري وبناء تحالفات مرنة تتعامل مع التهديدات التي لا تخضع للمعايير القانونية التقليدية للهجوم المسلح.
ردود خبراء كنديين
حضور شخصيات كندية في القاعة، من بينها مارك كارني الذي كان في الجمهور أثناء الخطاب، أثار اهتمام المراقبين الكنديين الذين يرون في المبادرة فرصة لإيجاد منصات بديلة للتعامل في قضايا الأمن والتجارة بعيداً عن الاعتماد الحصري على الولايات المتحدة. قلّل بعض الخبراء من احتمال أن يكون المجلس أكثر من رمزية، بينما رأى آخرون أنه قد يصبح آلية لتنسيق السياسات بين الشركاء.
أستاذ العلاقات الدولية ستيفن سايدمان أشار إلى أن المجلس قد يكون «طريقة معقولة» لإدارة العلاقات مع الولايات المتحدة في ظل إدارة أميركية وصفها بأنها فوضوية وغير متوقعة، وأن هذا التفكير يدفع الأوروبيين إلى اعتبار كندا شريكاً في عالم قد لا يعود فيه الاعتماد على الولايات المتحدة أمراً مسلّماً به.
الأوروبيون بدأوا ينظرون إلى كندا كشريك في عالم لم تعد فيه الولايات المتحدة عاملاً مضموناً، وحتى لو انعكس إنشاء المجلس بمجرد رمز، فذلك له أهمية؛ لأنها طريقة معقولة لإدارة العلاقات مع إدارة أميركية فوضوية وغير متوقعة.
العلاقة مع الناتو والفجوات العملية
توضح المواقف أن هناك تمييزاً عملياً بين مهام الناتو والهياكل الأوروبية: فالناتو يمتلك قيادة عسكرية قادرة على تنظيم الردود العسكرية والردع، بينما تركز مؤسسات الاتحاد الأوروبي غالباً على تنسيق الجوانب اللوجستية والشرائية. في هذا الإطار، أشارت الدبلوماسية الكندية السابقة لدى الناتو، كيري باك، إلى أن الاتحاد الأوروبي لديه بند للدفاع المتبادل لكنه يختلف تنظيمياً عن نظام القيادة في الناتو.
أعطت باك مثالاً عملياً على دور الاتحاد في تنسيق اقتناء العتاد بدلاً من تنسيق العمليات الحربية؛ فبدلاً من أن تشتري الجيوش 21 نموذجاً مختلفاً من الدبابات، يمكن للاتحاد أن يساعد في التنسيق للحصول على أعداد أقل من نماذج متوافقة بين الحلفاء. وبناءً على ذلك، رأت أن هناك مجالاً لمجلس أمني يركز على التهديدات دون العتبة العسكرية التقليدية، مثل الهجمات الإلكترونية وحملات التضليل التي تستهدف الاستقطاب الداخلي.
كما رُبطت المبادرة بتحولات في الاستراتيجية الأميركية تجاه وجودها العسكري في أوروبا؛ إذ أصدر البنتاغون في وقت سابق أمراً بسحب قوات من ألمانيا هذا العام، وتردّدت معلومات تفيد بأن الولايات المتحدة تتوقع أن تتحمل الدول الأوروبية الجزء الأكبر من الدفاع التقليدي لقارة أوروبا بحلول 2027.
خلاصة المرحلة المقبلة
النتيجة الراهنة أن فكرة «المجلس الأوروبي للأمن» طرحت كاستجابة لتحديات جديدة ولتغيرات في قابلية الاعتماد على حليف تاريخي، لكن التفاصيل التنفيذية، وصلاحيات المجلس، والالتزامات المطلوبة من الشركاء مثل كندا، لم تتضح بعد. تعهدت فون دير لاين بعرض أفكار ملموسة حول كيفية تحويل الاقتراح إلى هيئة عملية، لكن حتى تبرز هذه الأفكار ستبقى أسئلة حول نطاق المجلس وعلاقته بهياكل الناتو والاتحاد قائمة.