يشارك رئيس الوزراء مارك كارني في مؤتمر صحفي داخل البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ، فيما تتجه القيادات نحو «تقريب شامل» للعلاقات بين كندا وأوروبا. العلاقة مع أوروبا ليست مفهوماً جديداً بل امتداد لتاريخ طويل من الروابط الإنسانية والسياسية والثقافية التي ربطت القارتين منذ قرون.
هذا التقارب الذي تعلن عنه القيادات يستند إلى سلسلة من الوقائع: موجات هجرة من أوروبا إلى قارة أمريكا الشمالية، تجارة الفراء في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وتشارك في الصراعات العالمية التي طبعت الذاكرة المشتركة. العلاقة مع أوروبا اليوم تُرَسَّخ عبر تعاون مؤسساتي وثقافي واقتصادي لم تتوقف شبكة علاقاته يوماً.
جذور مشتركة وتضحيات مدوّنة
أسباب الاتحاد والارتباط تمتد إلى اعتمادات تاريخية. في القرن التاسع عشر شكلت الهجرة الأوروبية — من البريطانيين والفرنسيين والأيرلنديين والإيطاليين والأوكرانيين والبولنديين والإسكندنافيين وغيرهم — جزءاً أساسياً من تكوين كندا السكانية. إلى جانب الشعوب الأصلية وموجات هجرة لاحقة من أفريقيا وآسيا والأمريكتين، تكوّن النسيج الوطني لكندا.
خلال الحرب العالمية الأولى شارك أكثر من 600 ألف كندي في القتال حفاظاً على دول أوروبا من احتلالها، ثم جاء دور الحرب العالمية الثانية حيث قدم جنود كنديون تضحيات بارزة على شواطئ النورماندي، وعلى رأسها شاطئ جونو. وليست هذه الذكرى بلا أثر: تحرير كندا لهولندا ترك بصمته الرمزية، وتُزرع التوليب في أوتاوا تذكاراً لذلك.
من التحالف العسكري إلى التعاون الشامل
بعد الحرب العالمية الثانية أسهمت كندا في تأسيس حلف شمال الأطلسي في 1949، ودافعت داخل هذا الإطار عن أن يكون الحلف أكثر من مجرد قوة عسكرية؛ لذلك نصت مواقفه على التعاون السياسي والاقتصادي والثقافي أيضاً، حتى أُطلقت على المادة 2 تسمية «المادة الكندية». المحيط الأطلسي، بحسب هذا الطرح، لا يفصل بين الشركاء بل يوحّدهم.
على سبيل المثال العملي، ساهمت طائرات الكندارين Canadair هذا الصيف في إخماد حرائق الغابات الشديدة في أوروبا، ما يبرز أن التعاون لا يقتصر على الكلمات بل يمتد إلى استجابات عملية عند الطوارئ.
أكثر من 600 ألف كندي شاركوا في الحرب العالمية الأولى، ومثلهم قاتلوا في الثانية، وتضحية الجنود على شواطئ جونو وفي نورماندي ربطت مصيرنا بأوروبا؛ وتخليداً لحرية هولندا تزرع التوليب في أوتاوا حتى اليوم.
ترابط ثقافي ومعماري
العلاقة مع أوروبا تظهر بوضوح في الحياة الثقافية والمعمارية في كندا. من إقامة فنانين أوروبين في مونتريال بعد الحرب إلى حضور نجوم كنديين على خشبة المسارح الأوروبية، ثمة تبادل دائم. أمثلة ذلك تمتد من إقامة شارل آزنافور إلى تطورات مسيرة سيلين ديون التي أدّت في مسرح Plenitude في باريس، وإلى نجاح ألبومها الذي كتب له الأغاني الفرنسي جان-جاك غولدمان، والذي صار الألبوم الأكثر مبيعاً في العالم الفرانكفوني.
المشاهد الفنية والموسيقية متبادلة: فنانون كنديون ينفثون إبداعهم نحو أوروبا، وفنانون أوروبيون ينعشون مشهدنا، من فيلكس إلى شارل بوا وبريان آدمز وقلب القراصنة، ومن ترينيه إلى بريل وABBA وبافاروتي في الاتجاه الآخر.
على مستوى العمران، تعكس شوارع مونتريال وأبنيتها تأثيرات القارة العجوز: كنيسة نوتردام في مونتريال تشترك في روح مع نظيرتها في باريس، وحرم جامعة ماكغيل صممه السير أندرو تايلور الذي وُلد في إدنبرة، والمستشفى الملكي فيكتوريا يحمل بصمات الطراز الاسكتلندي. وحتى سيرفراتنا المرورية لها سخرية خاصة تشبه «الجبن السويسري» بطُرُقها المثقوبة.
تطلعات وشروط الواقعية
المقاربة الحالية قال عنها البعض إن كندا ستصبح «عضواً شريكاً لأوروبا»: تبقى دولة ذات سيادة لكنها تقرّب روابطها الأوروبية أكثر من غيرها. لغة التشبيه في النص الأصلي تشير إلى نوع من الزواج دون مشاركة السكن، علاقة تسمح للحلفاء بالتعاون الوثيق مع الاحتفاظ بحرية التنسيق مع شركاء آخرين.
في زمن تتغيّر فيه القوى ويدور السياسيون على مقاعد القيادة، يلفت النص إلى أن صيانة هذه العلاقة يجب أن تستمر بغض النظر عن تحوّلات الإدارة في الولايات المتحدة أو في أي مكان آخر. العالم أصبح أصغر، لكن العمل المشترك يبرز عظمة البشر حينما يمتدون أيديهم لبعضهم البعض.
الخلاصة العملية التي يطرحها الخطاب هي أن النوايا الحسنة والتحالفات التاريخية يجب أن تُترجم إلى أفعال ملموسة—سياسياً وإنسانياً وثقافياً—ليُحافظ على رابط طويل الأمد بين كندا وأوروبا ويُعزّز من مصالح الشعوب على طرفَي الأطلسي.