التصعيد التجاري مع واشنطن يضع كندا أمام خيارات محفوفة بالمخاطر
تواجه كندا معضلة متزايدة بشأن كيفية الرد على الولايات المتحدة بعد تعثر المفاوضات التجارية بين البلدين، وسط دعوات لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد واشنطن، في وقت يحذر فيه خبراء اقتصاديون وتجاريون من أن التصعيد قد يلحق بالاقتصاد الكندي أضراراً أكبر من تلك التي يمكن أن يسببها للجانب الأميركي.
وجاءت هذه الدعوات بعدما أوقف رئيس الوزراء الكندي مارك كارني المفاوضات التجارية مع الولايات المتحدة، لتدخل العلاقات بين البلدين مرحلة جديدة من التوتر وعدم اليقين بشأن الخطوات المقبلة.
ومن بين الخيارات التي طُرحت فرض رسوم أو قيود على صادرات كندية استراتيجية مثل النفط والبوتاس. كما قال رئيس وزراء أونتاريو دوغ فورد إن جميع الخيارات مطروحة، بما فيها الكهرباء والمعادن الحيوية، رغم تأكيده أنه سيلتزم في النهاية بنهج موحد على مستوى كندا.
في المقابل، عارضت ألبرتا وساسكاتشوان فرض ضرائب على صادرات الموارد الطبيعية المتجهة إلى الولايات المتحدة، ما يعكس حساسية استخدام الطاقة والموارد كسلاح في النزاع التجاري.
متى ينجح التصعيد؟
يرى الخبير الاقتصادي Dan Ciuriak، وهو زميل بارز في مركز الابتكار في الحوكمة الدولية، أن التصعيد يمكن أن يكون فعالاً عندما يكون الخلاف مرتبطاً بمطلب محدود وواضح وقابل للتفاوض يستطيع الطرف الآخر قبوله في نهاية المطاف.
لكن المشكلة، بحسب Ciuriak، هي أن طبيعة المطالب والأهداف الأميركية تجاه كندا ليست واضحة بما يكفي، الأمر الذي يجعل حساب مخاطر التصعيد أكثر تعقيداً.
ولهذا يرى أن الإجراءات الكندية الحالية أقرب إلى الدفاع الاقتصادي منها إلى محاولة إلحاق الضرر بالولايات المتحدة.
وتستعد أوتاوا لتطبيق رسوم مضادة على أساس «دولار مقابل دولار» اعتباراً من 8 سبتمبر، رداً على الرسوم الأميركية البالغة 50 في المئة على سلع كندية بقيمة 27.6 مليار دولار.
الخبراء يحذرون من أن قدرة كندا على إيلام الاقتصاد الأميركي لا تعني بالضرورة أن التصعيد سيكون في مصلحتها، لأن عدم التكافؤ بين الاقتصادين يمنح واشنطن قدرة أكبر على الرد وإلحاق الضرر بكندا.
ويختلف الوضع الحالي عن النزاع التجاري خلال الولاية الأولى للرئيس الأميركي دونالد ترامب، عندما فرضت واشنطن رسوماً على الصلب والألمنيوم الكنديين، وردت أوتاوا برسوم مضادة استهدفت أيضاً منتجات أميركية مختارة قبل أن يتوصل البلدان إلى اتفاق في مايو 2019.
ويقول أستاذ القانون في جامعة أوتاوا Wolfgang Alschner إن السياسة التجارية الأميركية أصبحت أكثر تشدداً، ما يجعل قدرة دولة منفردة مثل كندا على إجبار الولايات المتحدة على التراجع محدودة.
ويستشهد المقال بتجربة الصين التي استخدمت القيود على صادرات المعادن الأرضية النادرة خلال مواجهتها التجارية مع واشنطن، إذ امتلكت بكين نقطة ضغط استراتيجية يصعب على الولايات المتحدة الاستغناء عنها.
أما كندا، بحسب Alschner، فلا تمتلك ورقة مماثلة تستطيع استخدامها من دون تعريض اقتصادها لأضرار كبيرة.
النفط والكهرباء والبوتاس.. أوراق قوية ولكن خطرة
قد يؤدي تقييد صادرات الطاقة أو البوتاس أو فرض ضرائب عليها إلى تأثير مباشر في الاقتصاد الأميركي، لكن مثل هذه الخطوات قد تؤدي أيضاً إلى رد أميركي أشد.
وترى Gitane De Silva، الممثلة السابقة لألبرتا في واشنطن، أن المشكلة تكمن في عدم التكافؤ بين الطرفين، إذ إن العلاقات التجارية مفيدة للجانبين لكنها ليست متساوية من حيث القدرة على تحمل الضرر.
كما حذر أستاذ الاقتصاد في جامعة تورنتو Joseph Steinberg من أن الانتقام التجاري قد لا يدفع ترامب إلى تغيير موقفه لمصلحة كندا، بل قد يؤدي إلى رسوم أعلى.
وأشار إلى أن الرسوم المضادة تفرض تكاليف على الكنديين أنفسهم، وقد تضطر الحكومة لاحقاً إلى إنفاق أموال إضافية لدعم القطاعات والمواطنين المتضررين.
في المقابل، يرى خبراء آخرون أن كندا لا تزال تمتلك وسائل ضغط أقل خطورة، من بينها سياسات المشتريات العسكرية أو فرض إجراءات تستهدف شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى.
ويبقى السؤال الأساسي بالنسبة لأوتاوا هو كيفية الرد بقوة كافية لحماية مصالحها الاقتصادية، من دون الدخول في دوامة تصعيد تستطيع الولايات المتحدة تحملها لفترة أطول من كندا.
ويرى المؤرخ الاقتصادي Douglas Irwin أن الحروب التجارية تنتهي عادة عندما يقرر الطرفان خفض التصعيد بسبب المكاسب الاقتصادية التي توفرها التجارة الثنائية، لكنه حذر من عدم وجود ضمان بأن السيناريو التقليدي نفسه سينطبق على الإدارة الأميركية الحالية.