تزامناً مع تسارع المحادثات بين أوتاوا وبروكسل حول توثيق العلاقات، قدّم رئيس الوزراء مارك كارني أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ رؤية لتطوير شراكة مع أوروبا تهدف إلى تعميق التعاون السياسي والاقتصادي في قطاعات محورية مثل الذكاء الاصطناعي والمعادن الحيوية والدفاع.
في مقدّمة خطابه، شدّد كارني على أن الهدف من هذه الشراكة ليس تشكيل تكتّل جديد يتنافس على النفوذ، بل بناء قدرة مشتركة تَحمي السيادة وتمنع أي طرف من التحكم بالأسواق المفتوحة أو تقويض الحريات والديمقراطيات وسيادة القانون.
مقاصد واضحة وحدود معلنة
كارني أوضح ما لا يقترحه قائلاً حرفياً: «أنا لا أقترح تكتّلاً ثالثاً من أجل أن نصبح قوة عظمى منافسة — فقط بآداب أفضل». وأضاف أن كندا لا تسعى إلى «الهيمنة على الآخرين» بل إلى «المقاومة» لضمان عدم قدرة أي جهة على المسّ بسيادتها أو أمنها الإقليمي.
الخطاب جاء مع مساعي رسمية بدأتها كندا والاتحاد الأوروبي لتوسيع نطاق العلاقات السياسية والأمنية والاقتصادية، وهي مساعي أُطلقت في يونيو 2025 لكنّها شهدت تسارعاً في الآونة الأخيرة وصولاً إلى نقاش حول شراكة مؤسسية أوسع من اتفاق التجارة الكندي-الأوروبي الحالي (CETA).
دعوة لعضوية مرتبطة وردود فعل دولية
في خطوة لافتة، قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين إنها دعت كارني إلى «فتح الباب» أمام أن تصبح كندا أول «عضو مرتبط» بالاتحاد الأوروبي، تسوية لا تستند حالياً إلى نصوص معاهدة الاتحاد. هذا الطرح أثار أيضاً تحذيرات خارجية.
في رد فعل علني، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن منح كندا وضع «عضو مرتبط» قد يُعتبر «عمل عدائي» إذا رُفع بنوايا سيئة، مهدداً بفرض رسومات جمركية ثقيلة على أوروبا. وفي اليوم نفسه وصف ترامب كندا بأنها «شريك تجاري سيئ» ووقّع مذكّرةً تطالب وكالات الامتياز الاتحادية في الولايات المتحدة بإزالة جميع المنتجات ذات الأصل الكندي من مشتريات الحكومة.
كارني عرض رؤية تربط توسّع التعاون في الذكاء الاصطناعي والمعادن الحيوية والدفاع بتعزيز السيادة وحماية الأسواق الحرة والديمقراطيات وسيادة القانون، مؤكدًا أن الهدف تعاونٌ مُكمّل لا تأسيس تحالفٍ يطمح للهيمنة.
أهداف عملية وتركيز على قطاعات محددة
على النطاق العملي، قال جوناثان ويلكنسون، سفير كندا لدى الاتحاد الأوروبي ووزير سابق، إن أوتاوا تفضّل تركيز الجهود على بناء شراعات مؤسّسية قوية في قطاعات محددة بدلاً من الدخول في جدل دستوري حول وضع «العضو المرتبط».
وأوضح ويلكنسون أن الأولويات تشمل الطاقة والموارد الطبيعية، والمعادن الحيوية، والذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية، بالإضافة إلى تعزيز التعاون في مجال مشتريات الدفاع. وتأتي هذه الأولويات في سياق سعي كل من كندا والاتحاد إلى تقوية سلاسل الإمداد وتقليل الاعتماد على جهات قد تُشكّل مخاطراً جيوستراتيجياً.
كارني: مشروع إيجابي يتجاوز الردود على الضغوط
في مؤتمر صحفي مشترك مع رئيسة البرلمان الأوروبي روبيرتا ميتسولا، نفى كارني أن تكون مبادرته ردّ فعل مباشرًا على سلوك ترامب في ملف التجارة، ووصف المشروع بأنه «إيجابي» يهدف إلى تقوية الطرفين عبر الأطلسي. قال إن الشراكة ستجعل أوروبا أقوى وكندا أقوى، وستجعل من كندا شريكاً أفضل للولايات المتحدة.
وأشار كارني إلى أن البحث عن شراكات «مكمِلة» هو السبيل لتعزيز السيادة، وأن العلاقات المقترحة تُعرض بصيغة تعزز استقلالية كل طرف وتزيد من قدرته على حماية حدود حرية الأسواق وسياداته الوطنية.
خارطة طريق محتملة وتحديات لاحقة
تبقى تساؤلات عديدة حول الشكل القانوني والمؤسسي لأي توافق مستقبلي، خصوصاً وأن فكرة «العضو المرتبط» لا تستند حالياً إلى نصوص في معاهدات الاتحاد الأوروبي. كما أن التحفّظات والردود من شركاء دوليين، وخصوصاً الولايات المتحدة، تضيف بعداً جيوسياسياً قد يعقّد تقدّم الملف.
مع ذلك، يظلّ التركيز الكندي على بناء شراكة عملية مع أوروبا في قطاعات محددة خياراً يمكّن من تحقيق منافع ملموسة دون الدخول في مخاطر دستورية أو مواجهة مباشرة مع حلفاء مغايرين للرؤية.
خلاصة التحوّلات الراهنة أن الحوارات بين أوتاوا وبروكسل ستستمر، وأن المفاوضات حول صيغ تعاون جديدة ستختبر حدود الاحتمال السياسي والقانوني والإستراتيجي في الفترة المقبلة.