تبدو كندا للوهلة الأولى هدفًا غير متوقع لحرب تجارية أمريكية: فهي واحدة من أكبر أسواق الصادرات الأمريكية، وسلاسل الإنتاج بين البلدين مترابطة منذ عقود، كما يسمح اتفاق CUSMA بدخول جزء كبير من التجارة عبر الحدود دون رسوم جمركية. ومع ذلك، تحولت العلاقة خلال 2026 إلى مواجهة مباشرة شملت رسومًا بنسبة تصل إلى 50% وإجراءات انتقامية متبادلة.
وفي أحدث جولة، فرضت الولايات المتحدة اعتبارًا من 22 أغسطس 2026 رسومًا بنسبة 50% على مجموعة من السلع الكندية، بينما ردت كندا في 8 سبتمبر برسوم مضادة بنسب 15% و25% و50% على واردات أمريكية بقيمة 27.6 مليار دولار.
لكن السؤال الذي يبرز هو: لماذا كندا تحديدًا؟
Washington تركز على الألبان والكحول والسيارات
تقول إدارة الرئيس Donald Trump إن خلافها الحالي مع كندا يتركز بصورة خاصة على ثلاثة ملفات: منتجات الألبان، والمشروبات الكحولية الأمريكية، والسيارات وقطع الغيار.
وفي يوليو، استخدم Trump صلاحيات بموجب Section 338 من Tariff Act لفرض رسوم إضافية على سلع كندية، متهمًا كندا بتمييز الصادرات الأمريكية في هذه القطاعات.
وتقول الإدارة الأمريكية إن سحب منتجات كحولية أمريكية من متاجر تابعة لبعض المقاطعات، ونظام حصص واردات الألبان، وإجراءات كندية مرتبطة بالسيارات تضع المنتجات الأمريكية في وضع غير متكافئ.
أما الحكومة الكندية فتقول إن الإجراءات التي اتخذتها جاءت في الأساس ردًا على رسوم أمريكية سابقة، وإن الشروط التي قدمتها Washington خلال المفاوضات الأخيرة لم تكن عادلة أو اقتصادية بالنسبة لكندا.
الحرب التجارية الحالية لا تعود إلى سبب واحد. الإدارة الأمريكية تركز على الألبان والكحول والسيارات والعجز التجاري، بينما تكشف الصورة الأوسع عن سياسة تهدف أيضًا إلى إعادة التصنيع إلى الولايات المتحدة واستخدام الرسوم أداة للضغط على الشركاء التجاريين، بما في ذلك كندا رغم التكامل الاقتصادي العميق بين البلدين.
هل كندا تمنع المنتجات الأمريكية فعلًا؟
الصورة أكثر تعقيدًا من القول إن السوق الكندية مغلقة أمام المنتجات الأمريكية.
فبموجب CUSMA حصل المنتجون الأمريكيون على حصص جديدة تسمح بدخول كميات محددة من الحليب والجبن والزبدة ومنتجات ألبان أخرى إلى كندا دون رسوم داخل الحصة المقررة.
لكن كندا تحتفظ بنظام Supply Management الذي يحمي قطاعات الألبان والدواجن والبيض، ويمكن أن تُفرض رسوم مرتفعة جدًا عندما تتجاوز الواردات الحصص المحددة.
وهذه القضية ليست جديدة؛ فقد كانت حماية سوق الألبان الكندية نقطة خلاف مع Washington خلال مفاوضات الاتفاق التجاري في الولاية الأولى لـTrump أيضًا.
لذلك، فإن الخلاف يتعلق بدرجة الوصول إلى السوق وشروطه، وليس بوجود حظر كامل على دخول الألبان الأمريكية.
العجز التجاري يثير غضب Trump.. لكن النفط يفسر جزءًا كبيرًا منه
يشكل العجز التجاري الأمريكي مع كندا أحد العناصر الرئيسية في خطاب Trump بشأن التجارة.
وتظهر البيانات الأمريكية أن صادرات السلع إلى كندا بلغت نحو 333.6 مليار دولار أمريكي في 2025، مقابل واردات بنحو 381.9 مليار دولار، ما ترك عجزًا في تجارة السلع يقارب 48.3 مليار دولار. وفي المقابل، سجلت الولايات المتحدة فائضًا في تجارة الخدمات مع كندا بنحو 27.7 مليار دولار.
لكن الطاقة تلعب دورًا كبيرًا في تفسير هذا العجز.
فقد استوردت الولايات المتحدة في 2025 منتجات طاقة من كندا بقيمة تقارب 111 مليار دولار أمريكي، وكان النفط الخام أكبر مكون في هذه التجارة. كما استوردت الولايات المتحدة نحو 3.9 ملايين برميل يوميًا من النفط الخام الكندي في المتوسط.
وتعتمد مصافٍ أمريكية، خصوصًا في مناطق داخلية، على أنواع النفط الثقيل التي تنتجها كندا، لأن منشآتها مصممة لمعالجة هذه الخامات.
وبالتالي، فإن جزءًا مهمًا من العجز الأمريكي ليس نتيجة عزوف كندا عن شراء المنتجات الأمريكية، بل نتيجة شراء الولايات المتحدة كميات ضخمة من الطاقة الكندية.
كندا واحدة من أهم أسواق الشركات الأمريكية
تؤكد البيانات الأمريكية نفسها حجم أهمية السوق الكندية للشركات في الولايات المتحدة.
وتصف الحكومة الأمريكية كندا بأنها واحدة باستمرار من أكبر شريكين تجاريين للولايات المتحدة، كما كانت في 2024 أكبر وجهة للصادرات الأمريكية، وتظل السوق الأولى أو الثانية للصادرات بالنسبة لعدد كبير من الولايات.
ويشمل ذلك السيارات والآلات والمعدات والطاقة والمنتجات الزراعية والمواد الغذائية.
ولهذا تبدو الحرب التجارية استثنائية: الإجراءات تستهدف بلدًا يعتمد عليه عدد كبير من المنتجين والشركات الأمريكية أنفسهم كسوق رئيسية.
هدف أوسع: إعادة المصانع والإنتاج إلى الولايات المتحدة
لا تقتصر استراتيجية Trump التجارية على معالجة خلافات منفردة مع Canada.
وتقول الإدارة الأمريكية إنها تريد تصحيح الاختلالات التجارية، وحماية الصناعات الأمريكية، وزيادة الإنتاج داخل الولايات المتحدة، خصوصًا في القطاعات التي تعتبرها استراتيجية.
وتشير تقييمات حكومية كندية للسياسة التجارية الأمريكية إلى أن نهج الإدارة يقوم على الحمائية وإعادة الصناعات المتقدمة والقطاعات الاستراتيجية إلى الولايات المتحدة، إلى جانب استخدام الرسوم لتحقيق إيرادات وانتزاع تنازلات تجارية من الشركاء.
وهذا يجعل صناعة السيارات والصلب والألمنيوم من أكثر المجالات حساسية، لأن المصانع وسلاسل التوريد الكندية والأمريكية تعمل عمليًا كنظام إنتاج واحد في أجزاء واسعة من هذه القطاعات.
لماذا كندا معرضة للضغط أكثر من دول أخرى؟
السبب الآخر هو اعتماد الاقتصاد الكندي الكبير على السوق الأمريكية.
ففي 2025، ذهبت نحو 71.7% من صادرات السلع الكندية إلى الولايات المتحدة، رغم أن النسبة انخفضت من 75.9% في العام السابق.
هذا الاعتماد يمنح Washington نفوذًا اقتصاديًا كبيرًا في أي نزاع تجاري، لأن أي رسوم على السيارات أو الصلب أو الألمنيوم أو منتجات أخرى يمكن أن تؤثر مباشرة في المصانع والوظائف الكندية.
لكن الاعتماد ليس من طرف واحد. الولايات المتحدة تحتاج إلى النفط الكندي والبوتاس والكهرباء، بينما تعتمد صناعات أمريكية على مكونات ومواد خام تعبر الحدود عدة مرات قبل أن يصبح المنتج النهائي جاهزًا للبيع.
انهيار المفاوضات حول التجارة فجر الجولة الأخيرة
ازدادت الأزمة حدة بعدما انهارت المفاوضات بين Ottawa وWashington في 21 أغسطس.
الحكومة الكندية قالت إنها تفاوضت بصورة مكثفة، لكنها قررت تعليق المحادثات بعدما اعتبرت أن المطالب الأمريكية الجديدة ستضر بالعمال والشركات والقطاعات الاستراتيجية والسيادة الاقتصادية الكندية.
أما الإدارة الأمريكية فقالت إن كندا انسحبت من اتفاق كان قريبًا من الاكتمال، واتهمتها بمواصلة إجراءات تمييزية ضد المنتجات الأمريكية.
وفي اليوم التالي دخلت الرسوم الأمريكية الجديدة حيز التنفيذ، ثم ردت كندا في 8 سبتمبر برسوم «دولار مقابل دولار ومعدل مقابل معدل».
Washington تصعّد إلى حظر بعض المنتجات الكندية
لم يتوقف التصعيد عند الرسوم الجمركية.
ففي 8 سبتمبر وقع Trump إجراءات تنص على حظر دخول بعض المنتجات الكندية المرتبطة بقطاعات الألبان والكحول والسيارات إلى الولايات المتحدة اعتبارًا من 29 سبتمبر 2026 إذا بقيت الإجراءات الحالية سارية.
وحتى دخول الحظر حيز التنفيذ، تبقى بعض المنتجات المعنية خاضعة للرسوم البالغة 50%.
وهذا يترك فترة إضافية أمام الحكومتين للتفاوض قبل انتقال أجزاء من النزاع من الرسوم المرتفعة إلى منع الاستيراد بالكامل.
هل كندا وحدها مستهدفة؟
لا. إدارة Trump استخدمت الرسوم مع عدد كبير من الشركاء التجاريين، لكن النزاع مع كندا اتخذ مسارًا مختلفًا بسبب حجم التكامل الاقتصادي، ورد Ottawa برسوم انتقامية، واستمرار الخلافات حول الألبان والسيارات والكحول والسياسات الصناعية.
وتشير الحكومة الأمريكية إلى أن كندا كانت من أبرز الدول التي اختارت الرد المباشر على الرسوم بدل إزالة الإجراءات التي تعترض عليها Washington، بينما ترى كندا أن الرد ضروري لحماية المنتجين والعمال من الإجراءات الأمريكية.
ما الذي يجعل هذه الحرب التجارية مختلفة؟
على عكس نزاع تجاري مع اقتصاد بعيد، فإن كندا والولايات المتحدة تبنيان سيارات ومنتجات صناعية معًا، وتتبادلان الطاقة والكهرباء والمواد الخام والأغذية يوميًا.
وتجاوزت تجارة السلع والخدمات بين البلدين 872 مليار دولار أمريكي في 2025 وفق بيانات الحكومة الأمريكية.
لذلك فإن الرسوم التي تستهدف شركة أو مصنعًا في Canada يمكن أن تمتد آثارها إلى مورّدين وعمال ومستهلكين داخل الولايات المتحدة نفسها، والعكس صحيح.
وهذا هو التناقض الأساسي في النزاع الحالي: Canada أصبحت هدفًا لحرب تجارية ليس لأنها شريك صغير أو معزول، بل رغم أنها واحدة من أكثر الاقتصادات ارتباطًا بالولايات المتحدة.
SEO