مجموعة من الخبراء الدوليين، بينهم باحثون من كندا، تحذر في سلسلة مقالات طبية نُشرت حديثاً من أن كِلفة انتشار التكنولوجيا الرقمية بين الأطفال والشباب باتت مسألة صحة عامة تتطلب تدخلاً عاجلاً. يؤكد الكتّاب أن الاعتماد على الضوابط الفردية مثل حدود وقت الشاشة لا يواجه “العوامل الرقمية المحددة للصحة” التي تشكل جزءاً من بيئة الشباب اليومية.
الاستنتاجات جاءت ضمن سلسلة منشورة في مجلة طبية مرموقة، وشرح أحد المشاركين الرئيسيين أن كيفية تصميم المنصات ونماذج أعمال شركات التكنولوجيا تلعب دوراً أساسياً في دفع الاستخدام المفرط. استخدام الشاشات هنا لا يُعد مسألة سلوك شخصي فقط بل نتاج لخيارات تصميمية وتسويقية تحدث على مستوى واسع.
لماذا الحدود الفردية غير كافية
أشار الباحث جاي شو، الحاصل على كرسي أبحاث كندي في الابتكار الصحي المسؤول بجامعة تورونتو، إلى أن شركات وسائل التواصل تربح من إبقاء المستخدمين على منصاتها لأطول فترة ممكنة وجمع بيانات حول تفضيلاتهم وسلوكياتهم. من أمثلة التصميم التي تصعّب الانفصال عن المنصة هي ميزة التمرير المستمر (infinite scroll) وخوارزميات التوصية المستهدفة والروبوتات الذكية التي تروّج لمحتوى مُكيّف للمستخدم.
تقول السلسلة إن هذه الخصائص تساهم في سلوك يشبه الإدمان لدى كثير من الشباب، فتؤدي إلى استمرار التصفّح حتى عندما لا يشعر المستخدمون بالارتياح، ما يضعف فاعلية حدود وقت الشاشة والإرادة الفردية في الحدّ من الضرر.
الأدلة العلمية والآثار الصحية
تضمن التقرير مراجعة شاملة لنتائج 2,790 دراسة؛ وهو ما أظهر ارتباطات بين الاستخدام المضطرب للوسائط الرقمية ومشكلات صحية نفسية وجسدية مثل الاكتئاب والقلق واضطراب النوم وتراجع النشاط البدني. في المقابل، وجدت المراجعات أيضاً فوائد صحية مرتبطة باستخدام وسيط يُوصَف بأنه “معتدل” وبعض أشكال الألعاب النشطة.
يؤكد الباحثون أن صعوبة إثبات علاقة سببية مباشرة لا تعني غياب خطر، لأن الانتشار الواسع للتكنولوجيا ووجود فئات أكثر عرضة للضرر يبرران اتخاذ إجراءات وقائية على مستوى الصحة العامة.
المسؤولية لحماية الشباب من الاستخدام المضطرب لوسائل التواصل يجب أن تنتقل من الأفراد إلى شركات التكنولوجيا والحكومات، لأن تصميم المنصات ونماذج الربح التي تشجّع التفاعل المستمر تولّد أضراراً على الصحة العقلية والنوم والنشاط البدني.
مقترحات سياسات وحلول تنظيمية
تتضمن الدعوات في السلسلة إجراءات حكومية وتنظيمية وإعادة تشكيل لنماذج عمل المنصات بحيث تصبح سلامة الشباب أولوية. ذُكر أن أستراليا فرضت بالفعل قيوداً تحد من الوصول إلى منصات التواصل لمن تقل أعمارهم عن 16 عاماً، وأن دولاً عدة تدرس خطوات مماثلة.
على المستوى الكندي، ذكر الباحثون أن سياسات مقترحة مثل مشروعَي القانون C‑34 (قانون منصات التواصل الآمنة) وC‑36 (حماية الخصوصية وبيانات المستهلك) تتضمن إنشاء هيئة رقابية رقمية وتقييد استخدام المنصات للشباب دون 16 عاماً، مع إمكانية منح استثناءات للشركات التي تثبت وجود ضوابط كافية لحماية الأطفال.
خبرات شبابية وأصوات سريرية
ضمّت السلسلة مجموعة استشارية شبابية مكوّنة من ستة بالغين تتراوح أعمارهم بين 23 و30 عاماً. قالت الشابة الكندية ييفان تشو (30 عاماً) إن وسائل التواصل توفر فوائد مثل البقاء على اتصال والحصول على معلومات تعليمية، لكنها ركزت على مشكلات مثل الشعور بالوحدة من قلة التواصل المباشر والقلق الناتج عن مقارنة الحياة الحقيقية بما يُعرض عبر الإنترنت، كما نبهت إلى حالات تعرض مراهقين لمتحرّشين عبر المنصات.
من الجانب الطبي، وصف طبيب نفس طفل يعمل بمستشفى للأطفال في كندا ملاحظة تحول سلوكيات المرضى؛ فبدلاً من سؤال المريض عن زيارات الأهالي أو المكالمات أصبح السؤال الأول غالباً يتعلق بما إذا كان يحق للمريض الاحتفاظ بهاتفه الخليوي أثناء الاستشفاء، ما يعكس الاعتماد الشديد على الأجهزة.
في الختام، يرى المشاركون في السلسلة أن هناك استعمالات إيجابية للتكنولوجيا عبر التعليم والترفيه، لكن حماية الفئات الأصغر تتطلب سياسات تقيّم أنماط الاستخدام ونماذج المنصات وليس الاعتماد فقط على حدود وقت الشاشة والأسرة.
المصدر: CityNews