الأحد، 20 سبتمبر 2026 06:25
كندا اليوم

الشعبوية الكندية سبقت موجة ترامب بثلاثة عقود وجاءت بمسؤولية

تجربة مسؤولة

تُعد الشعبوية الكندية ظاهرة مبكرة ومختلفة في صيغتها عن موجات الشعبوية التي ظهرت لاحقاً في الغرب، وتحديداً ما يُطلق عليه عصر ترامب. الشعبوية الكندية ظلت تُدار ضمن أطر مؤسسية وقيادية اعتدلت في توجهاتها، مما منعه من الانزلاق إلى أشكال متطرفة مماثلة لتلك التي ظهرت في دول أخرى.

في المقارنة مع بريطانيا والولايات المتحدة، حيث أدت أحداث مثل بريكست وصعود دونالد ترامب إلى تقوية تيارات يمينية شعبوية جديدة، لم تتشكل في كندا حركة معادلة بنفس التجذر. عوامل داخلية وخارجية تداخلت لتمنع امتداد هذه الموجة هنا، من بينها تغيّر القيادات الوطنية ودور شخصيات محلية استبقت الظاهرة.

عوامل توقيتية وسياسية

يُشير مراسلون ومحلّلون إلى أن التوقيت السياسي لعب دوراً مهماً: دورة التغيير القيادي في كندا التي تقضت غالباً بعشر سنوات أو أقل أدّت إلى وصول جاستن ترودو مكان ستيفن هاربر في وقت كانت موجات الشعبوية الدولية تتصاعد. وفق تفسير أندرو كوين، حين اكتملت فترة ترودو وبدأت الظروف تبدو مؤاتية لصعود يمين شعبوي، كان هناك عامل الردع المتمثل بخوف الناخبين من تجربة ترامب وتأثيراتها، ما دفع الناخبين نحو المزيد من الاستقرار.

من جهة أخرى، استوعب زعيم المحافظين الحالي عناصر من الخطاب ترامبوي داخل حزبه. تحركات بيير بوالو نحو تبنّي بعض الشكليات الشعبوية أدّت عملياً إلى امتصاص الأصوات التي كانت قد ذهبت إلى حزب الشخصيّات الأصغر، مثل حزب الشعب لماكسيم برنييه، الذي تراجع تماماً مع صعود بوالو.

أصول الشعبوية الكندية وتجربتها

تكمن قيمة تفسير آخر في نشأة تجربة شعبوية كندية مستقلة قبل عقود. بريستون مانينغ كان الشخصية المحورية لهذه التجربة حين بدأ عقد الاجتماعات في كالغاري التي مهدت لتأسيس حزب الإصلاح رسمياً عام 1987. من تلك النقطة انطلقت حركة شعبوية في الغرب الكندي، لكنها اتخذت طابعاً مختلفاً؛ شعار مانينغ الأصلي «the West wants in» أو «الغرب يريد أن يشارك» دلّ على رغبة في الاندماج وإعادة التمثيل لا على فصل أو عنف.

الشيء المميّز في الشعبوية الكندية آنذاك هو أنها قُيّدت بنزعة بنّاءة وقيادة متزنة. تراث مانينغ العائلي، باعتباره ابن إرنست مانينغ أطول رؤساء وزراء ألبرتا خدمة، ساهم في تشكيل نمط قيادة يميل إلى تحويل السخط الشعبي إلى مشاريع سياسية عملية بدلاً من تأجيج الاحتقان.

الشعبوية الكندية التي قادها بريستون مانينغ في الثمانينات والتسعينات لم تكن دعوة إلى التفكك أو العنف، بل آلية لامتصاص الاستياء وتحويله إلى مطالب بنّاءة. هذا التوجه أثّر في السياسات الفدرالية، لا سيما توازن الميزانية وقانون الوضوح وتنمية نفط وغاز ألبرتا.

نتائج ملموسة وتأثيرات وطنية

أحدثت تلك الحركة تأثيرات ملموسة على المشهد السياسي الكندي. بحسب التحليل نفسه، كانت للحضور الشعبي الذي مثّله حزب الإصلاح أثر على أولويات الحكومة الفدرالية اللاحقة، سواء في الالتزام بتوازن الميزانية أو في صياغة تشريعات مثل قانون الوضوح، فضلاً عن دفع أجندة تنمية قطاع النفط والغاز في الأقاليم الغربية.

كما أن موجة الشعبوية التي رآها مانينغ وقادها كانت قوية بما يكفي لتُحدث تغييرات انتخابية كبرى؛ فقد ساهمت في تبديد أو إضعاف أحزاب تقليدية عريقة خلال انتخابات بداية التسعينيات، بما في ذلك ما وُصف بجهود تقويض حزب مرتبط بتاريخ يعود إلى عهد سير جون أ. ماكدونالد في انتخابات 1993.

مقارنة بالموجات الدولية ودروس مستفادة

على عكس بعض التجارب الدولية التي أخذت طابعاً عدائياً أو معادياً للمؤسسات، اتّسمت الشعبوية الكندية بسلوك احتوائي نسبي ومطالبة بإصلاحات محددة داخل الإطار الدستوري والسياسي. هذا لم يجعلها خالية من الانتقادات أو الجدل السياسي، لكنها بقِيَت في نطاق اللعبة الديمقراطية وأثّرت في البرامج العامة بطريقة قابلة للقياس.

من زاوية الملاحظة السياسية، يمكن اعتبار التجربة الكندية مثالاً على أن الشعارات الشعبوية لا تؤدي بالضرورة إلى تفكك أو عنف إذا ما قادها أفراد أو أحزاب ذات ميول عقلانية وهدف بنّاء. ومع ذلك، يبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة هذا النمط على التكرار أو التحوّل في ظل تغير المعطيات الدولية والمحلية.

في الختام، تُظهر القراءة التاريخية والتقارير المعاصرة أن الشعبوية الكندية شكلت تجربة مبكرة ومميزة، جمعَت بين استجابة لنبض الشارع وحرص على توجيه الطاقة السياسية نحو إصلاحات عملية أكثر منها إلى نظريات انفصالية أو ديماغوجية مدمرة.

المزيد من الأخبار