تعود مسألة تحويل علاقة كندا بالاتحاد الأوروبي إلى «عضوية منتسبة» لتتصدر النقاشات السياسية في أوتاوا، مع وعود بصلات أعمق في مجالات الدفاع والطاقة النظيفة والتكنولوجيا. المقترح لا يعني انضماماً كاملاً، بل «عضوية منتسبة» تسمح بتقارب استثنائي مع الاتحاد الأوروبي دون المساس بسيادة كندا على حدودها أو عملتها.
الضغط التجاري والجيوسياسي وراء هذا الاقتراح واضح: احتدام حرب تجارية مع الولايات المتحدة، وتزايد القلق من سياسات خارجية لروسيا والصين، إضافة إلى رغبة قادة الاتحاد الأوروبي في تحصين سلاسل الإمداد والطاقة عبر حلفاء ديمقراطيين ومستقرين. كلمة «عضوية منتسبة» تعكس محاولة إيجاد توازن بين تقارب أعمق واحتفاظ كندا بحقوقها الوطنية.
ماذا يعني هذا عملياً للاقتصاد والتجارة؟
من الناحية الاقتصادية، سيمنح هذا التحالف الشركات الكندية وصولاً فوريّاً إلى سوق يضم ما يقرب من نصف مليار مستهلك، مع فرص كبيرة للتعاون الصناعي والتكنولوجي. ومع ذلك فإن المشاركة تتطلب التوافق مع سياسات الاتحاد الأوروبي البيئية والصناعية، أبرزها آلية تسعير الكربون على الحدود (CBAM) وقواعد منتجات خالية من إزالة الغابات التي ستطال لحوم البقر والصويا والأخشاب ومنتجاتها المشتقة.
تعرض الاقتصاد الكندي حالياً لتقلبات كبيرة: أكثر من ثلثي صادراته تقريباً تتجه إلى الولايات المتحدة، التي تمثل قرابة ثلثي الصادرات وقرابة 60% من الواردات، بحسب الأرقام الواردة. هذا الاعتماد يجعل كندا عرضة للقرارات السياسية في واشنطن، ويشكل دافعاً قوياً للتنويع التجاري عبر تعزيز الروابط مع أوروبا.
السيادة والامتثال للقواعد الأوروبية
بحسب المقترحات المطروحة، ستظل المؤسسات الكندية مثل الحكومة والحدود والنظام النقدي مستقلة. فـ«عضوية منتسبة» لا تعني فقدان السيادة التشريعية أو اقتصادية كاملة. لكنها ستلزم مصدّري السلع — خصوصاً في القطاعات الثقيلة والزراعة والغابات — بالالتزام بمعايير أوروبية صارمة قد تتطلب إعادة هيكلة سياسات التسعير الكربوني وإلغاء بعض الإعفاءات والخصومات القائمة للمصدرين الكنديين.
كما أن المشاركة قد تقصر قدرة كندا على التأثير في قرارٍ معين داخل الاتحاد الأوروبي، إذ قد يُطلب منها الالتزام بقواعد تُقرّها الدول الأعضاء دون أن تمتلك حق التصويت نفسه.
الحياة اليومية والتنقل والعمل
لن تتغير جنسية الكنديين أو جوازات سفرهم أو عملتهم بموجب هذا الترتيب. السفر إلى منطقة شنغن سيبقى متاحاً وفق القواعد الحالية (حتى 90 يوماً خلال فترة 180 يوماً). أحد البنود التي تُبحث حالياً هو منح حقوق إقامة وعمل طويلة الأمد لحاملي جوازات السفر الكندية، بما في ذلك العمل دون تأشيرة في دول الاتحاد الأوروبي، وتسريع انتقالات العاملين المحترفين وتبسيط مسارات الإقامة.
رغم هذه الامتيازات المحتملة، فإن الأبعاد الجغرافية والاحتفاظ بكندا بضوابطها الحدودية تُقلّلان من احتمال حدوث موجات هجرة شبيهة بأوروبا.
اقتراح أن تصبح كندا أول ‘عضو منتسب’ للاتحاد الأوروبي يَعِد بتعزيز التعاون في الدفاع والطاقة الخضراء والتكنولوجيا دون تغيير حدود أو عملة كندا، لكنه سيفرض على المصدّرين الكنديين الامتثال لآليات مثل CBAM وقواعد مكافحة إزالة الغابات.
العقبات السياسية والدولية
إن إنشاء «عضوية منتسبة» أمر جديد بالنسبة للاتحاد الأوروبي؛ لا توجد آلية جاهزة لذلك. أي اتفاق من هذا النوع يتطلب موافقة إجماعية من جميع الدول الأعضاء البالغ عددها 28 دولة وفق النسخة المذكورة من المقترح، وبعض هذه الدول أبدت قلقها من رد فعل محتمل من إدارة الرئيس الأمريكي، التي هددت بفرض رسوم جديدة على حال تقدم التحالف.
في هذا السياق، وصف الرئيس الأمريكي السابق تهديداته للاتحاد بأنها ردة فعل ممكنة إذا مضت كندا في هذا المسار، ما يضيف عنصراً من التعقيد في العلاقة عبر الأطلسي ويجعل من موافقة بروكسل خطوة حساسة تتضمن مراعاة لردود فعل واشنطن.
تحركات حكومية نحو أوروبا
من جهته، اتخذ رئيس الوزراء كارني خطوات نحو تقارب أوسع مع أوروبا، منها انضمام كندا إلى برنامج الدفاع SAFE بقيمة 173 مليار دولار كأول عضو غير أوروبي، إضافة إلى السعي لبناء تحالفات «قوة وسطى» مع الاتحاد. كما أعلن عبر مناسبة عيد كندا عن مشاركة البلد في مسابقة يوروفيجن بعد انضمام هيئة الإذاعة الكندية إلى اتحاد البث الأوروبي، كخطوات رمزية وعملية على حد سواء نحو علاقة أوثق مع أوروبا.
في الختام، يفتح مفهوم «عضوية منتسبة» نافذة جديدة على سياسات كندا الخارجية والاقتصاد الوطني، لكنه يطرح تساؤلات جوهرية حول حدود السيادة والتزامات الامتثال وتأثير ذلك على علاقتها التقليدية بالولايات المتحدة.