أظهرت نتائج استطلاع أجراه معهد لِيجِر لصالح بوستمديا ارتفاعاً في مؤشرات الدعم للحكومة الليبرالية بعد أشهر من فشل المفاوضات التجارية مع الولايات المتحدة، بينما يطرح الموقف السياسي المتصل بملف التجارة سؤالاً حقيقياً حول قدرة قادة كندا على إقناع الرأي العام بقبول أي اتفاق لاحق.
وفق الاستطلاع، وصل مؤيدو حزب الليبراليين إلى 49% على الصعيد الوطني، في حين قال 57% إنهم يوافقون على اتجاه الحكومة و58% على أداءها. وسجلت هذه المؤشرات زيادة بنقطة ثلاث في المائة عن استطلاع لِيجِر في بداية أغسطس.
أرقام الاستطلاع وتوزيع التأييد
النتائج تضع المحافظين في موقع تراجع بنسبة 33% بينما جاءت نسبة الحزب الديمقراطي الجديد عند 6%. الإقليمياً، سجّل فريق كارني تأييداً بنسبة 59% في بريتش كولومبيا، و57% في أتلانتيك كندا، و53% في أونتاريو، و47% في كيبيك. ولا تزال السيطرة المحافظة بارزة في ألبرتا حيث حصل المحافظون على 64% مقابل 24% لليبراليين.
الاستطلاع يبرز أيضاً قوة الليبراليين بين الفئات العمرية الكبيرة: 60% تأييد بين الناخبين الذين تبلغ أعمارهم 55 عاماً فما فوق، وتقدّم الليبراليين أمام المحافظين بفارق 12 نقطة بين الرجال (57% مقابل 35%) و20 نقطة بين النساء (51% مقابل 31%). في كيبيك، تبدو كتلة التصويت التقليدية للمحافظين قد انتقلت جزئياً إلى الليبراليين مقارنة بالانتخابات السابقة، إذ نزلت حصة المحافظين من نحو 24% إلى 16%، مقابل مكاسب لليبراليين قد تؤهلهم للفوز بأغلبية المقاعد إذا جرت انتخابات اليوم.
خلفية فشل المفاوضات وخطاب المواجهة
انتهت جولات التفاوض في 21 أغسطس من دون اتفاق، بعد خلاف أساسي على طلب الجانب الأميركي الحفاظ على رسوم بنسبة 25% على الشاحنات المتوسطة والثقيلة. فيما نفى الأميركيون أن يكونوا حاولوا فرض سياسات لغوية فرنسية على كندا أو تجاوز سيادتها في توقيع اتفاق تجاري.
في الوقت نفسه، اتهم وزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك كندا بأنها تخلت عمداً عن “أفضل اتفاق في العالم” من أجل معركة سياسية مع الرئيس دونالد ترامب، وكرر الادعاء أن كارني انسحب لأسباب سياسية لا اقتصادية. ويبدو أن هذا الخطاب حقق مكاسب سياسية داخلية لليبراليين.
الاستطلاعات تظهر زيادة شعبية الليبراليين بعد انسحاب كارني من المفاوضات، بينما تتصاعد المشاعر المعادية للولايات المتحدة: 41% يعتبرونها عدواً و73% يرفضون تقديم تنازلات و61% يعارضون توسيع وصول الألبان الأميركية.
مشكلة التسويق بعد إبرام اتفاق
المعطيات الاستطلاعية الأخرى تشير إلى تحدٍ واضح: 41% من الكنديين يصفون الولايات المتحدة بأنها “عدو” مقابل 22% يعتبرونها “حليفاً”. واستطلاع آخر لشركة أنغس ريد وجد أن 73% يريدون موقفاً صارماً وعدم تقديم تنازلات للأميركيين، بينما 61% يعارضون منح وصول أوسع لمنتجي الألبان الأميركيين.
النقطة الجوهرية في الأزمة هي أن كارني، وفق نص الاتفاق الذي انسحب منه، قد وافق بالفعل على منح المنتجين الأميركيين نفس إمكانية الوصول عبر المتاجر التي يتمتع بها الأوروبيون؛ وليس ذلك منحاً جديداً لقدرة البيع بقدر ما هو تسهيل لبيع ما تم الاتفاق عليه سابقاً. ومع ذلك، بيع هذا النوع من التسهيل لشريحة من الناخبين التي تُظهر رفضاً قوياً للتنازلات سيكون أصعب بكثير من رفض العرض أمام الرأي العام.
آفاق التوصل إلى اتفاق وضرورة صياغة خطاب جديد
اعترف كارني يوم الخميس بأن تواصله مع الرئيس ترامب مستمر في قضايا عدة وأن اتفاقاً مفيداً للطرفين يبقى ممكناً. الرئيس ترامب قال بدوره إن “اتفاقاً مع كندا سيظهر قريباً”، مشيراً إلى ما يراه توزيعاً أكثر عدلاً لمصلحة مزارعي الألبان الأميركيين.
لكن السؤال السياسي يبقى: ما مدى قدرة كارني على تلطيف الخطاب الذي استخدمه في المواجهة—من وصف الوضع بأنه “حرب” إلى استخدام تعبيرات تشكك في جدية التوقيع—ثم العودة إلى الجمهور لعرض اتفاق قد يتضمن تنازلات أو تسهيلات؟ السياسة الداخلية أوضحت أن “سياسة الرفض” كانت سهلة وجاذبة للناخبين، أما “سياسة القبول” فقد تتحوّل إلى اختبار صعب لقدرة القيادة على الإقناع.
في النهاية، تؤكد الأرقام أن “كارني والتجارة” باتا محوراً ليس فقط للمفاوضات الثنائية بل لمعركة داخلية على مدى قبول الجمهور لأي حل تجاري مع الجار الجنوبي. قدرة الحكومة على تحويل المكاسب الاستطلاعية الحالية إلى موافقة شعبية على أي اتفاق مستقبلي تبقى مفتوحة على تحديات كبيرة.