طرحت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين فكرة غير مسبوقة تقضي بالعمل على فتح الباب أمام كندا لتصبح أول «عضو منتسب» للاتحاد الأوروبي، في خطوة تستهدف تعميق العلاقة الاقتصادية والأمنية بين الطرفين من دون أن تتحول كندا إلى دولة عضو كاملة في الاتحاد.
جاء الطرح خلال خطاب فون دير لاين أمام البرلمان الأوروبي في Strasbourg، بحضور رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، حيث دعت إلى نقل العلاقة بين كندا والاتحاد الأوروبي إلى مستوى يتجاوز اتفاقية التجارة الحرة الحالية CETA، عبر ما وصفته بـ«تحالف من أجل المستقبل».
ولا يعني المقترح أن كندا ستصبح الدولة العضو الثامنة والعشرين في الاتحاد الأوروبي. فمعاهدات الاتحاد الحالية تنص على أن طلب العضوية الكاملة متاح لـ«دولة أوروبية»، بينما وضع «العضو المنتسب» الذي جرى الحديث عنه لكندا ليس فئة عضوية قائمة حالياً ضمن معاهدات الاتحاد، ولذلك ما زالت طبيعته القانونية وحقوقه والتزاماته بحاجة إلى تحديد.
المقترح المطروح لا يمنح كندا عضوية كاملة في الاتحاد الأوروبي، ولا يجعلها دولة أوروبية أو جزءاً تلقائياً من السوق الأوروبية الموحدة. الحديث يدور عن إنشاء صيغة جديدة لعلاقة أعمق من الشراكة التجارية التقليدية، وقد تشمل تعاوناً واسعاً في الاقتصاد والأمن والتكنولوجيا والطاقة والدفاع، لكن تفاصيل وضع «العضو المنتسب» لم تُحدد بعد وتحتاج إلى مفاوضات واتفاق سياسي وقانوني بين كندا والاتحاد الأوروبي.
وتأتي الخطوة في وقت تسعى فيه الحكومة الكندية إلى تنويع علاقاتها التجارية وتقليل اعتماد اقتصاد البلاد على السوق الأميركية. ورغم تراجع حصة الولايات المتحدة من صادرات السلع الكندية، بقيت واشنطن الوجهة الرئيسية بفارق كبير، إذ استحوذت على 71.7% من صادرات السلع الكندية خلال 2025، مقارنة بـ75.9% في 2024.
وتزامن هذا التوجه مع توترات تجارية بين كندا والولايات المتحدة خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب. وكان كارني قد أعلن أن حكومته تعمل على تنويع الشراكات الخارجية وزيادة الاستقلال الاستراتيجي لكندا، مؤكداً أن بلاده ستبدأ مناقشات مع الاتحاد الأوروبي لبناء تحالف اقتصادي وأمني جديد.
العلاقة بين كندا والاتحاد الأوروبي ليست جديدة. فالجانبان يرتبطان باتفاقية CETA، كما أطلقا شراكة استراتيجية جديدة تشمل التجارة والتكنولوجيا والطاقة والأمن، ووقّعا شراكة للأمن والدفاع. وانضمت كندا أيضاً إلى مبادرة SAFE الأوروبية للمشتريات الدفاعية، لتصبح أول دولة غير أوروبية تشارك فيها.
أما المرحلة الجديدة المقترحة، فتتجه إلى توسيع التعاون في قطاعات تشمل التصنيع المتقدم، والتكنولوجيا، والطاقة، والمعادن الحيوية، والبطاريات، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، والأمن السيبراني، والصناعات الدفاعية، إضافة إلى التعاون في منطقة Arctic والأمن الاقتصادي.
وتنسجم هذه المجالات مع التعاون القائم بالفعل بين الجانبين. فالشراكة الاستراتيجية الكندية الأوروبية تشمل الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والبنية التحتية الرقمية، بينما ناقش الطرفان أيضاً سلاسل الإمداد الآمنة والمعادن الحيوية والطاقة والتقنيات الرقمية.
ومع ذلك، فإن عبارة «العضو المنتسب» لا تمنح كندا في الوقت الحالي حقوق حرية التنقل والعمل التي يتمتع بها مواطنو دول الاتحاد الأوروبي، ولا تعني تلقائياً انضمام كندا إلى السوق الموحدة. هذه التفاصيل لم تُتفق عليها بعد، وما يتم تداوله حالياً هو مقترح سياسي لإنشاء علاقة جديدة لم يكتمل إطارها القانوني.
ومن المنتظر أن تتقدم المباحثات حول مستقبل العلاقة خلال قمة كندا والاتحاد الأوروبي المقررة في Montréal يومي 29 و30 أكتوبر 2026، بعد أن أكدت الحكومة الكندية أن توسيع الشراكة مع أوروبا أصبح من أولوياتها في مجالات التجارة والاستثمار والأمن.
وبذلك، لا يدور المشروع حول تحويل كندا إلى دولة أوروبية، بل حول محاولة إنشاء نموذج جديد يسمح لكندا والاتحاد الأوروبي بالتكامل بشكل أعمق في قطاعات اقتصادية وأمنية واستراتيجية، مع بقاء الشكل النهائي لهذا النموذج قيد التفاوض.