الأربعاء، 23 سبتمبر 2026 12:35
كندا اليوم

بتوجهٍ جديد على مسرح الأمم المتحدة.. كندا تراهن على «القوى المتوسطة» لبناء تحالفات اقتصادية ودبلوماسية

دبلوماسية جديدة

بتوجهٍ جديد على مسرح الأمم المتحدة.. كندا تراهن على «القوى المتوسطة» لبناء تحالفات اقتصادية ودبلوماسية

تطرح كندا نفسها هذا الأسبوع في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بموقف أكثر إبرازاً بعد توجه واضح أطلقه رئيس الوزراء مارك كارني، الذي يحوّل رؤية «القوى المتوسطة» إلى ممارسة دبلوماسية تهدف إلى حماية مصالح البلاد وتحديث النظام الدولي. لأول مرة منذ سنوات، باتت كندا تبدو كقوّة فاعلة تسعى لتشكيل تحالفات اقتصادية وسياسية خارج الاعتماد التقليدي على الولايات المتحدة.

كارني، الذي تولى منصبه في مارس 2025، تحدث عن «قيم مبنية على واقعية» تجمع بين الالتزام بالحقوق والحرية والاستدامة من جهة، و«تحالفات محسوبة» مع شركاء لن يوافقوا بالضرورة على كل البنود من جهة أخرى. هذه الاستراتيجية، التي حملت تسمية القوى المتوسطة في خطاباته، تُترجم عملياً بعقد اجتماعات ثنائية وتشكيل مجموعات جديدة للدفاع عن التعاون متعدد الأطراف.

تحالفات ولقاءات على هامش الجمعية العامة

أطلقّت كندا مع نحو نصف دستة دول مجموعة جديدة تهدف إلى تأكيد التعاون الاقتصادي والالتزام بأسس العمل المشترك داخل منظومة الأمم المتحدة، بحسب ما نُقل عن جدول أعمال كارني. رغم تعطل وصوله إلى حفل إطلاق مجموعة “الشركاء من أجل التعددية” نتيجة فوضى في حركة الملاحة الجوية بمطارات نيويورك، التقى كارني مساء الثلاثاء قادة وزعماءاً من الأردن وشيلي وأنغولا، ووزيراً من دولة الإمارات، كما شارك في اجتماع حول حلّ الدولتين بين الإسرائيليين والف Palestinians.

على الصعيد المالي والإنساني، أعلن كارني تقديم كندا مبلغ 100 مليون دولار كندي (71 مليون دولار أمريكي) لدعم الجهود الإنسانية والأمنية للفلسطينيين. ويعد هذا التعهد جزءاً من محاولة كندا لعب دور أكثر نشاطاً في القضايا الدولية الحساسة، مواصلة لاتجاه دعم الاعتراف بالدولة الفلسطينية الذي انضمت إليه كندا العام الماضي مع أكثر من 150 دولة.

تبعات موقف كندا تجاه الولايات المتحدة

تأتي مبادرة كارني بينما توترت العلاقات التجارية مع الولايات المتحدة، بعد أن رفض مفاوضات تجارية اعتُبرت فيها مطالب واشنطن غير مقبولة، وانسحب من محادثات الشهر الماضي. هذا التحرك يمثل تقليصاً واضحاً للمراهنة التقليدية الطويلة لكندا على السوق والشراكة الأميركية، ويعزّز مساعي البحث عن بدائل تجارية، بما في ذلك تسريع العلاقات مع الاتحاد الأوروبي والتقارب مع دول المحيط الهادئ والهند.

كارني أعلن هدفاً طموحاً يتمثل في مضاعفة حجم التجارة الكندية خارج الولايات المتحدة خلال عقد، وسعى خلال الأيام الماضية لاستقطاب رؤوس أموال عبر قمة استثمارية عقدت في كندا، كما عبّر عن أمله بالتوصل إلى اتفاق تجاري مع الهند قبل نهاية العام.

اختارت كندا في نيويورك نهج ‘القوى المتوسطة’ الذي يجمع بين القيم والواقعية، ويترجم سياساته عملاً: بناء تحالفات اقتصادية ودبلوماسية، وتقديم ١٠٠ مليون دولار كندي للفلسطينيين، والسير بعيداً عن مفاوضات التجارة مع الولايات المتحدة عندما اعتُبرت المطالب غير مقبولة.

ردود محلية ودولية على الاستراتيجية

تلقى خطاب كارني صدىً داخلياً وخارجياً؛ فمحلياً تحسّنت نسب رضى الرأي العام عن أدائه، وفقّ تقارير الاستطلاع المذكورة في التغطية، بينما يرى محللون أن رسالته «القيمية الواقعية» تلقى تجاوباً لدى دولٍ في الشمال العالمي. أستاذ الشؤون الدولية بجامعة أوتاوا س. فوستيتش قال إن استراتيجية كارني «تلقى صدىً لدى جماهير متعددة، خصوصاً في الدول ذات التوجهات المشابهة».

في الوقت نفسه، أثارت خطوات كارني تساؤلات لدى البعض، مثل زيارته إلى السعودية في يوليو، وهي الأولى لرئيس وزراء كندي منذ أكثر من ربع قرن؛ خطوة اعتُبرت جزءاً من سياسة الانخراط العملي مع دول اختلف معها سلفه السابق بشأن سجلها في مجال حقوق الإنسان. كارني أكد آنذاك أنه لا يهدف إلى “مناصحة من بعيد”، وأن الانخراط لا يعني الموافقة على كل تصرفات الشركاء.

ماذا بعد؟

يتوقع أن يواصل كارني نشاطه الدبلوماسي قبل عودته إلى كندا لإتمام التزامات داخلية، بينما ستحمل وزيرة الخارجية أنيتا أناند خطاب كندا الرسمي أمام الجمعية العامة السبت، مؤكدة أن الخطاب سيركز على تنفيذ استراتيجية القوى المتوسطة التي طرحها كارني. تستمر الأسئلة حول فعالية هذا النهج في تحويل النفوذ الكندي إلى نتائج ملموسة على صعيد التجارة والأمن، لكن كندا تبدو مصممة على اختبار خيارات جديدة خارج الاعتماد الأحادي التقليدي.

المزيد من الأخبار