ألقى مارك كارني كلمة أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ تلقفها الحضور بالتصفيق، وعرض خلالها رؤية لتقارب أكبر بين كندا وأوروبا. وفيما لم يسمّ كارني الولايات المتحدة مباشرة، فقد صيغت مواقفه ضمن مقارنة ضمنية مع سياسة إدارة ترامب، ولاحقاً عبّرت أورسولا فون دير لايين عن رغبتها في النظر إلى كندا كأول عضو منتسب للاتحاد الأوروبي.
هذه المقترحات أعادت إلى الواجهة فكرة أن العلاقة مع أوروبا ليست ترفاً بل خيار استراتيجي يحتاج نقاشاً برلمانياً كما طالب زعيم حزب المحافظين. النقاش اشتد داخل السياسة الكندية بين مؤيد يرى في التقارب فرصة، ومعارض يخشى فقدان الاستقلالية في قرارات البلد.
جذور تاريخية وقانونية مشتركة
أول الأسباب التي ساقها المؤيدون لتعزيز العلاقة مع أوروبا أن التراث القانوني والسياسي الكندي مرتبط بأوروبا: النظام القانوني العام في إنجلترا يؤثر في معظم أقاليم كندا بالإنجليزية، ونظام القانون المدني الفرنسي سائد في كيبيك. علاوة على ذلك، تبقى كندا عضواً في الكومنولث، ويبقى العاهل البريطاني شخصاً رمزياً في رموز الدولة الكندية.
تحالفات عسكرية وأمنية
ثانياً، الروابط العسكرية تحت مظلة حلف شمال الأطلسي تجعل من أوروبا شريكاً أمنياً مباشراً. كندا لا تزال جزءاً من تحالفات مقرها في أوروبا، وقواتنا تشارك بانتظام في تواجد أمني هناك. بالنسبة لعدد من عسكريينا، العلاقة مع أوروبا ليست شعاراً بل واقع عملي على الأرض.
ضغوط اقتصادية وسياسية من الولايات المتحدة
ثالثاً، التطورات الأخيرة مع الإدارة الأمريكية أعادت تسليط الضوء على الحاجة لتنويع الشراكات. تصريحات وتهديدات تجارية، وتعاملات اقتصادية كانت دافعاً لدى صانعي القرار للبحث عن أسواق وشركاء بديلين. في هذا السياق تعتبر العلاقة مع أوروبا خياراً عملياً لتقليل الاعتماد المفرط على شريك واحد.
التصاعد الروسي عند حدود الناتو وتأثيره على كندا
رابع سبب هو بروز التوترات الجديدة في محيط أوروبا. منذ يوليو، علّقت روسيا حركة الأشخاص والبضائع عند حدودها مع فنلندا وإستونيا ولاتفيا، وترافق ذلك مع تراكم عسكري ووقوع حادث إسقاط طائرة مسيّرة فوق ليتوانيا. هذا التصعيد دفع حلف الناتو إلى تعزيز التواجد، وتشارك كندا جزءاً من هذا الجهد الأمني.
منذ يوليو، علّقت روسيا حركة الناس والمركبات والبضائع على حدودها مع فنلندا وإستونيا ولاتفيا، وتسبب التصعيد في إسقاط طائرة مسيَّرة فوق ليتوانيا؛ اليوم يخدم أكثر من ألفي جندي كندي في لاتفيا وتتبادل وحداتنا مواقع في دول البلطيق وفنلندا، ما يجعل العلاقة مع أوروبا أمراً عملياً وعلى الأرض.
حضور أكثر من ألفي جندي كندي في لاتفيا والدوريات الدورية إلى إستونيا وليتوانيا وفنلندا يجعل من التعاطي مع القارة أمراً ذا أولوية للأمن الوطني. لذلك لم يعد الحديث عن العلاقة مع أوروبا نقاشاً فكرياً فحسب، بل له أبعاد تكتيكية واستراتيجية تلحّ على صناع القرار.
هل فقدان الاستقلالية حجةٌ مقنعة؟
خامساً، الانتقادات التي أثيرت داخل الساحة السياسية الكندية تجاه أي تقارب مع أوروبا ركزت على مخاوف من فقدان السيادة أو اتخاذ قرارات خارج البرلمان. لكن الموقف الذي طرحه زعيم المعارضة حول ضرورة أن تكون أي خطوات مناقشة داخل البرلمان يضع النقاش في مساره الديمقراطي الصحيح: تعزيز العلاقة مع أوروبا ممكن ومقبول إذا جرت عملية شفافة داخل مؤسساتنا التشريعية.
في الخلاصة، الأسباب الخمسة التي طرحها مؤيدو التقارب ــ الجذور التاريخية والقانونية، التحالفات الأمنية، الضغوط الاقتصادية، التهديدات الأمنية على حدود أوروبا والحاجة إلى نقاش برلماني ــ تجعل من فكرة تقوية العلاقة مع أوروبا خياراً يستدعي دراسة عميقة ومفتوحة. العلاقة مع أوروبا قد تمنح كندا فرصاً اقتصادية وسياسية وأمنية، وفي الوقت نفسه تلزم البرلمان والحكومة بضمان أن تكون أي خطوات جديدة متوافقة مع مصالح البلاد وسيادتها.